عبد القادر الجيلاني

17

فتوح الغيب

العلّامة أبو إسحاق الشّيرازيّ ( المتوفّى 476 ه ) ، وحجّة الإسلام الغزاليّ ( المتوفّى 505 ه ) ، وأبو الوفاء ابن عقيل ( المتوفّى 513 ه ) ، وأبو زكريّا التّبريزيّ ( المتوفّى 502 ه ) ، وأبو القاسم الحريريّ ( المتوفّى 516 ه ) ، وجار اللّه الزّمخشريّ ( المتوفّى 538 ه ) ، والقاضي عياض المالكيّ ( المتوفّى 544 ه ) . الّذين ظلّوا قرونا مسيطرين على العقول والاتّجاهات ، وكانوا مدارس أدبيّة علميّة ، لم يكن لأحد في هذا العدد الزّاخر بالحياة العلميّة ونوابغ الفنّ كالقرن الخامس والسّادس ، وفي بلد زاخر بالمدارس وحلقات الدّروس كبغداد ، أن يؤثّر في مجتمعه الّذي قطع شوطا واسعا في العلم ، وانتشرت الثّقافة في طبقاته انتشارا كبيرا ؛ ولم يكن له أن يلفت إليه الأنظار ، وينفذ إلى أعماق النّفوس والقلوب ، وتخضع له الطّبقات المثقّفة وحملة لواء العلم في عصره ، إلّا إذا كان عالي الكعب طويل الباع في العلوم السّائدة ، متضلّعا من علوم الدّين والدّنيا ، قد أقرّ له معاصروه بالفضل ، وشهد له علماء بلده بغزارة العلم وسعة المعارف . وكان يجب أن يكون هذا الدّاعي صاحب بيان ولسان ، يخاطب العلماء والمثقّفين في أسلوبهم والعامّة في أسلوبها ، وكان يجب أن يكون صاحب نفس زكيّة ، وهمّة قويّة مؤثّرة ، وعلى جانب عظيم من الزّهد والقناعة والعزوف عن الشّهوات وكبر النّفس ، يجد ضعاف الإيمان وضعاف النّفوس في مجالسه قوّة اليقين وحرارة الإيمان ، ويجد أهل الشّكّ والارتياب السّكينة والإذعان ، ويجد أصحاب النّفوس القلقة والقلوب الجريحة المنكسرة : الهدوء والعزاء والسّلوان ، ويجد هواة الحقائق والمعارف وأصحاب الدّراسات : العلوم الدّقيقة والنّكت اللّطيفة . ويجد أصحاب البطالة والعطلة وأصحاب القلوب الخامدة ما يملؤهم حماسا وإيمانا ، وما يحفّزهم إلى العمل والجهاد ، ويجد عبّاد اللّذّات والشّهوات والمترفون في الحياة ، الّذين تجرّؤوا على المعاصي والمحارم ، ما يبعث فيهم الإقلاع والنّدامة والتّوبة والإنابة . وبالجملة : يجد كلّ أحد في مجالسه غناءه ودواءه وغذاءه وشفاءه ويقف كمنارة عالية من الإيمان والعلم في بحر من الظّلمات والجاهليّة ، يأوي إليها الغرقى ويهتدي بها الحائرون ، ويخلف الأنبياء في دعاء الخلق إلى اللّه ، ودعوة النّاس إلى دار السّلام ، وإخراجهم من